القلمون ودير عطية

لا نكاد نجد في سورية منطقة أو إقليماً، صغير المساحة نسبياً وواضح الحدود الطبيعية، احتفظ عبر العصور بطـابع تاريخي ثقافـي مستمد من بيئته الطبيعية ومن الأحـداث التي دارت حـوله، مثل المنطقة المسماة "القلمون".

تلك المنطقة لها تاريــخ خــاص، قام على جغرافيته الخاصة، وهو في جوهره تاريخ ثقافي اجتماعي، فكرياً ومادياً وروحياً، إذ كان تاريخاً هادئاً، جرت تطوراته ببطء وسلاسة وسلام، وصلات مستمرة بالغير. وهذا مؤشر على الاستمرار وعدم الانقلاب  والعودة، وفيه ما فيه من دلالات الصبر والجلد والمثابرة في تحقيق الأهداف والغايات المرسومة.


بعد تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي بدأ تعريب القلمـون فـي مطلع القرن الثالـــث عشـر فـي المناطـــق المنفتـحة على الباديـــة في الشمال والشر

ق وفي الأجزاء المحاذية للبقاع غرباً، وكانت ديرعطية رائدة في هذا المجال بسبب موقعها الجغرافـي وانفتاحها على المنطقة التدمرية وحوض العاصي عبر وادي المجر وبسبب صلتها بالبقاع عبر وادي الزمراني.

 


وقد ظل القلمون جزيرة مسيحية آرامية - سريانية حتى نهاية فترة الحروب الصليبية، وكان عمادها الثقافـي والروحي والاجتماعي، مؤسسات الأديرة العديدة التي أنشئت فـي المنطقة فـي العهد البيزنطي، وأضفت على اللغة الآرامية- السريانية صفة القداسة، لغة عبادة في الأديرة والكنائس، وظلت رواسب تلك اللغة مستمرة في بعض القرى إلى اليوم.

وفي العصور الحديثة وبسبب الموقع المتوسط تعزز انفتاح القلمون على ما حوله، بين شمال بلاد الشام وجنوبها  في جميع الميادين، غير أن الميدان الثقافـي ظل في المقدمة، فافتتحت المدارس التبشيرية التي كانت عنايتها باللغة العربية تتجاوز كثيراً عناية المدارس العثمانية . وكذلك أسهم القلمون في الثورة السورية ومقاومة الانتداب الفرنسي فوق أرض القلمون نفسه، (موقعة عيون العلق، شمال قارة)، وفي دمشق وغوطتها .

وقد أسهم القلمون في النهضة العلمية واليقظة القومية فـي العهد العثماني، وكانت بعض شخصياته على صلة بعبد الحميد الزهراوي، رائد تلك اليقظة. فمن ديرعطية خرج العلامة الشيخ عبد القادر القصاب، الأستاذ الأزهري، الذي عاد إلى بلدته ديرعطية لإنشاء مدرسة جامعية المنهج على النمط الأزهري، وقد أصبحت مدرسة الشيخ عبد القادر القصاب اليوم منارة من منارات العلوم الشرعية ومقصداً لطلاب العلوم الشرعية واللغة العربية.

ولا يغفل القائمون عليها عن أهمية الترويح عن الطلاب لذا تم تخصيص أوقات معينة لممارسة بعض الرياضات كالسباحة مثلاً، إضافة إلى إقامة المسابقات الثقافية التي تثري عقول الطلاب بالعلم والمعرفة. ومن الجدير ذكره في معرض حديثنا عن مدرسة الشيخ عبد القادر القصاب المواسم الثقافية الصيفية التي تنظمها المدرسة وتستضيف فيها خيرة العلماء .

وما إنشاء جامعة القلمون إلا برهان واضح على استمرار الاندفاع الثقافـي والعلمي والذي ينعكس خيراً- ليس على القلمون فحسب- بل على قطرنا وبعض الأقطار العربية ولاسيما المجاورة.وقد غدت جامعة القلمون صرحاً أكاديمياً كبيراً يقصده طلاب العلم لما تتمتع به هذه الجامعة من سمعة طيبة ومستوى تعليمي متميز، وذلك بفضل الإدارة الناجحة التي تتمتع بثقافة عالية وروح وطنية سامية.